الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

271

تفسير روح البيان

محذوف كَذلِكَ اى مثل ذلك الإيراء الفظيع وهو نزول العذاب عليهم وتبرى بعضهم من بعض يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ اى ندمات شديدة فان الحسرة شدة الندم والكمد وهي تألم القلب وانحساره عما يؤلمه بحيث يبقى النادم كالحسير من الدواب وهو الذي انقطعت قوته فصار بحيث لا ينتفع به وأصل الحسر الكشف ومن فات عنه ما يهواه وانكشف قلبه عنه يلزمه الندم والتأسف على فواته فلذلك عبر عن الحسرة التي هي انكشاف القلب عما يهواه بلازمه الذي هو الندم والرؤية ان كانت بصرية تكون حسرات حالا من أعمالهم والمعنى ان أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون أعمالهم الا حال كونها حسرات وان كانت قلبية فهي ثالث مفاعيل يرى وعليهم يتعلق اما بحسرات والمضاف محذوف اى على تفريطهم أو بمحذوف منصوب على أنه صفة لحسرات اى حسرات مستولية عليهم فان ما عملوه من الخيرات محبوطة بالكفر فيتحسرون لم ضيعوها ويتحسرون على ما فعلوه من المعاصي لم عملوها * قال السدى ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا اللّه فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم اللّه ثم تقسم بين المؤمنين وذلك حين يندمون ويتحسرون وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ لأنهم خلقوا لأجلها - روى - انه يساق أهل النار إلى النار لم يبق منهم عضو الا لزمه عذاب اما حية تنهشه أو ملك يضربه فإذا ضربه الملك هوى في النار مقدار أربعين يوما لا يبلغ قرارها ثم يرفعه اللهب ويضربه الملك فيهوى فإذا بدا رأسه ضربه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب فإذا عطش أحدهم طلب الشراب فيؤتى بالحميم فإذا دنا من وجهه سقط وجهه ثم يدخل في فيه فتسقط أضراسه ثم يدخل بطنه فيقطع أمعاءه وينضج جلده وهكذا يعذبون في النار لا يموتون فيها ولا يحيون ولا يخرجون * قال سعيد بن جبير ان اللّه تعالى يأمر يوم القيامة من احرق نفسه في الدنيا على ربوبية الأصنام ان يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون لعلمهم ان عذاب جهنم على الدوام ثم يقول للمؤمنين بين أيدي الكفار ان كنتم احبائى فأدخلوا جهنم فيقتحمون فيها وينادى مناد من تحت العرش والذين آمنوا أشد حبا للّه لان اللّه أحبهم أولا ثم احبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم قال تعالى يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ومن لم يكن أهلا لمحبة اللّه أزلا طردته العزة إلى محبة الأنداد وهي كل ما يحب سوى اللّه فمن وكل إلى المحبة النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصنام فكما ان الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها فمحبة الأولاد والأزواج والأموال تمنع عن محبة اللّه ومن أحب اللّه يرى ما سواه بنظر العداوة كما قال الخليل عليه السلام فإنهم عدو لي الا رب العالمين ومن كان في الأزل أهلا لمحبة اللّه جذبته العناية فتجلى له الحق فانعكست تلك المحبة لمرآة قلبه فلا تتعلق بغير اللّه لأنها من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة والأعداء أحبوا الأنداد بمحبة فانية نفسانية والأحباء أحبوا اللّه بمحبة باقية ربانية بل احبوه بجميع اجزائهم الفانية والباقية اللهم أوصلنا إلى حقيقة المحبة واليقين والتمكين يا أَيُّهَا النَّاسُ نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ اى من بعض ما فيها من أصناف المأكولات لان كل ما فيها لا يؤكل حَلالًا حال من الموصول اى حال كونه